حول الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة بحق القطاع الزراعي في الضفة الغربية خلال عام 2025
رام الله – الاثنين 12/01/2025
تعلن وزارة الزراعة في هذا المؤتمر الصحفي نتائج التقرير الشامل الذي يوثّق تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة بحق القطاع الزراعي في الضفة الغربية خلال عام 2025، والتي نُفذت بصورة مباشرة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، وبما يشكّل تهديداً وجودياً للزراعة الفلسطينية، وضربة مباشرة للأمن الغذائي الوطني، واستهدافاً متعمداً لسبل عيش المزارعين الفلسطينيين وصمودهم على أرضهم.
ويؤكد التقرير أن ما جرى خلال عام 2025 لا يمكن توصيفه باعتباره حوادث منفردة أو أضراراً جانبية، بل يمثل سياسة ممنهجة ومتكاملة تستهدف الأرض والمياه والموارد الطبيعية، وتُنفذ عبر الاعتداء المباشر، والتجريف، والاقتلاع، والحرق، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، تحت حماية جيش الاحتلال، وبمشاركة فاعلة من مجموعات المستوطنين.
منهجية جمع البيانات:
تم جمع البيانات بالاعتماد على مجموعة متكاملة من المصادر، شملت البلاغات المباشرة الواردة من المزارعين المتضررين، إلى جانب الزيارات الميدانية التي نفذتها الطواقم الفنية المختصة في وزارة الزراعة، والمنتشرة عبر 54 مديرية ودائرة ومكتبًا زراعيًا في مختلف محافظات الضفة الغربية. كما تم استكمال عملية الجمع من خلال تعبئة استمارات حصر الأضرار الزراعية، والتي تضمنت جميع المعلومات اللوجستية والبيانات التفصيلية المتعلقة بالحيازة الزراعية، مدعومة بالوثائق الرسمية المثبتة لملكية الأرض، والتوثيق بالصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو، إضافة إلى تحديد الإحداثيات والمواقع الجغرافية للأضرار.
وعقب ذلك، جرى إدخال البيانات إلى نظام حاسوبي محوسب أُعدّ خصيصًا لهذا الغرض، ووفقًا للمعايير العالمية المعتمدة في تقدير وتقييم الخسائر والأضرار الزراعية. علماً بأن هذه الآلية معتمدة ومقرة من قِبَل مجلس الوزراء، ومدققة من شركة تدقيق خارجية، ومتفق عليها مع الممولين والإتحاد الأوروبي.
اعتداءات سافرة وخسائر جسيمة:
ووفقاً للبيانات الموثّقة، فقد بلغ حجم الخسائر الاقتصادية المباشرة التي لحقت بالقطاع الزراعي في الضفة الغربية خلال عام 2025 أكثر من (103) ملايين دولار أمريكي، وهي خسائر لا تعكس الحجم الحقيقي للأثر فقط، إذ تمتد تداعياتها إلى انهيار سلاسل الإنتاج الزراعي، وتراجع الدخل الريفي، وارتفاع كلفة الغذاء، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، وتعميق هشاشة المزارعين والأسر الريفية. هذا بالإضافة الى التوسع الإستيطاني والعمراني على حساب الأراضي الزراعية، وكذلك المصادرة المباشرة لآلاف الدونمات الزراعية ووضع اليد عليها وخاصةً انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية وهي الأكثر خطورة على القطاع الزراعي حيث بلغ عدد هذه البؤر ما يقارب 133 بؤره منتشرة على حواف القرى الفلسطينية وتتلقى الدعم الكافي من الحكومة الإسرائيلية والعدد بكل أسف يزيد تدريجياً.
استهداف المياه والبنية التحتية: خنق متعمد للإنتاج الزراعي
كما وثّق التقرير اعتداءات واسعة على مصادر المياه الزراعية شملت هدم الآبار وبرك الجمع، وتخريب الخطوط الناقلة وشبكات الري، والسيطرة على الينابيع، ومنع أعمال الصيانة مما أسفر عن خسائر مباشرة تجاوزت (1.58) مليون دولار أمريكي.
وفي السياق ذاته، لحقت أضرار جسيمة بالبنية التحتية وخاصةً الطرق الزراعية والبيوت البلاستيكية والآليات والمعدات الزراعية، بقيمة إجمالية تجاوزت (2.57) مليون دولار أمريكي، وهو ما أعاق وصول المزارعين إلى أراضيهم، وعطّل حركة الإنتاج والتسويق، وأضعف سلاسل القيمة الزراعية بشكل منهجي.
الزيتون في صدارة الاستهداف: تدمير متعمّد لعمود الزراعة الفلسطينية:
ويشير التقرير إلى أن قطاع الزيتون كان الهدف الأبرز لهذه الاعتداءات، حيث تم توثيق تضرر (91,933) شجرة زيتون بفعل الاقتلاع الكامل، والتكسير الكلي أو الجزئي أو الرعي المتعمد والحرق، ومنع الوصول اليها وسرقة ثمارها. وتتصدر محافظات الخليل ورام الله والبيرة ونابلس وجنين وسلفيت على التوالي قائمة المحافظات الأكثر تضرراً مما يعكس اتساع رقعة الاستهداف وشموليته الجغرافية. كما طالت الاعتداءات أشجار زيتون معمّرة يتجاوز عمرها في بعض المناطق مئة عام، لا سيما في المغير، وأبو فلاح، ورنتيس، في محاولة واضحة لتدمير موروث زراعي وثقافي متراكم عبر أجيال، وليس مجرد إلحاق ضرر موسمي.
إن اقتلاع شجرة الزيتون لا يعني خسارة محصول عام واحد، بل إعدام مصدر دخل طويل الأمد، وتجريد المزارع من قدرته على الاستمرار، ودفعه قسراً نحو هجر الأرض، وهو ما يضع هذا الاستهداف في إطار سياسة تفريغ ممنهجة للأراضي الزراعية من أصحابها.
الثروة الحيوانية والنحل: استهداف مباشر لسبل العيش الريفية
ويُظهر التقرير تصاعداً خطيراً في الاعتداءات على الثروة الحيوانية، حيث تم سرقة وقتل (5,236) رأساً من الأغنام، خاصة في محافظات أريحا، نابلس، رام الله، والخليل، بقيمة خسائر مباشرة بلغت (1.77) مليون دولار أمريكي. وقد تركت هذه الاعتداءات أثراً مباشراً على مئات الأسر الرعوية، وهددت استمرارية هذا القطاع الحيوي، وزادت من هشاشة الأمن الغذائي المرتبط بمنتجات اللحوم والألبان.
كما استُهدف قطاع تربية النحل عبر تدمير خلايا النحل وسرقة معدات التربية، لا سيما في محافظة رام الله والبيرة، بما ألحق خسائر مباشرة تقارب (154) ألف دولار أمريكي، فضلاً عن الآثار البيئية الخطيرة المرتبطة بتراجع التلقيح الطبيعي للمحاصيل الزراعية.
رسالة وزارة الزراعة: هذه جريمة منظمة وليست أضراراً عرضية
تؤكد وزارة الزراعة الفلسطينية أن هذه الانتهاكات تمثل جريمة منظمة ضد القطاع الزراعي، وتندرج ضمن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، التي تحظر استهداف الموارد المدنية، وسبل العيش، والبنية التحتية الحيوية للسكان الواقعين تحت الاحتلال.
وعليه، فإن وزارة الزراعة تطالب المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ووكالاتها المتخصصة، والدول الأطراف السامية المتعاقدة، بـ:
• تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه حماية المزارعين الفلسطينيين.
• توفير حماية دولية فاعلة للأراضي الزراعية ومصادر المياه ومناطق الرعي.
• وقف الاعتداءات الممنهجة التي ينفذها جيش الاحتلال والمستوطنون.
• ضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
• دعم برامج المساعدات وإعادة التأهيل، مع إعطاء أولوية لقطاع الزيتون والثروة الحيوانية والمياه.
ختاماً، تؤكد وزارة الزراعة الفلسطينية أن حماية القطاع الزراعي ليست قضية فنية أو اقتصادية فحسب، بل قضية سيادة ووجود وصمود، وأن استمرار استهداف المزارع الفلسطيني يعني تقويض أسس الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، وفرض واقع قسري يتعارض مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية